ابن حمدون
264
التذكرة الحمدونية
على التقشّف وأخذت أموالهم هل كانت نفس أبغض إليهم من نفسي ، أو حياة أثقل عليهم من حياتي ؟ فأطرق صالح مفكرا ، ثم رفع رأسه وقال : يا أمير المؤمنين ، إنّه ليقع في خلدي أنّك قبلت قولي قبول تحقيق لا قبول سمعة ورياء . فقال المهديّ : اللَّه شهيد على ذلك . فقام صالح فدنا من المهديّ ، فقبّل رأسه وقال : أعانك اللَّه يا أمير المؤمنين على صالح نيّتك ، وأعطاك أفضل ما تأمله في رعيّتك ، ووهب لك أعوانا بررة صالحين يعملون بما يجب عليهم فيك ، ثم خرج . « 512 » - لمّا أبعد أبو الفتح بن العميد أبا القاسم بن عباد الصاحب عن خدمة مؤيّد الدولة بن ركن الدولة بن بويه ، وتولَّى الأمور ، تداخله في بعض الليالي عجب وسرور بما هو فيه ، فاستدعى ندماءه وهيّء له مجلس عظيم بآلات الذهب والفضّة وفاخر البلَّور والمخروط الصيني والطَّيب والفواكه ، وحضر المغنّون والملهون فشرب آخر يومه وأكثر ليلته ، وعمل شعرا أنشده ندماءه وألقاه على المغنّين حتى غنّوا فيه ، وهو : [ من المتقارب ] دعوت المنى ودعوت الغنى [ 1 ] فلما أجابا دعوت القدح وقلت لأيّام شرخ الشباب إليّ فهذا أوان المرح إذا المرء أدرك آماله فليس له بعدها مقترح فغنّي بالشعر واستطابه ، وشرب عليه إلى أن سكر ، ثم قال لغلمانه : غطَّوا المجلس ولا تنقضوا شيئا منه لأصطبح عليه في غد . وقال لندمائه : باكروني ولا تتأخّروا ، وقام إلى بيت منامه . ووافق ذلك استدعاء مؤيّد الدولة إيّاه في السّحر ، فلم يشكّ أنّه لمهمّ من خدمته ، فبادر ، فلما دخل دار الأمير قبض عليه ، وأنفذ
--> « 512 » معجم الأدباء ( عباس ) 2 : 694 .